ثلاثية العذاب...حب.. ومقهى .. وغربة
ثلاثية العذاب…. حب…
ومقهى
و غربة ،،
بقلم / حسن عبد السلام أبودية
(1)في المقهى
إلى كوثر عيّاد
عرفتك منذ بدء التكوين وسأبقى أحبك لما بعده
في المقهى ..تدثرني صبية بنظراتها، فأزداد حنيناً لدفئك أيتها الغائبة/ الحاضرة، وألمس أكثر كم هو مخيف صقيع لياليّ.. فألفُّ عنقي بوشاح عطرك، أستحضره من الذاكرة المتعبة، وأهمس لطيفك إذ يأتي ..
زملوني ..زملوني
وفي زحام الصَخَب المتناثر بين الكراسي والطاولات ورائحة التبغ والقهوة تمدين يدك إليَّ ،، تعبثين بما تبقى من شعر رأسي،، وتهمسين… لقد عرف الشيب طريقه إلى رأسك..فأضمُّ طيف يدك، ألثمه وأهمس : هذا البياض هو ثلج أيامي المؤودة في السفر..وفي المقهى ..تسألني نادلةٌ بتطفّل … ألا يأتي أحد معك؟؟؟ كأنك غارق في انتظار طويل، ألاتكسر وحدتك انثى؟؟؟!! فأجيبها.. أي أنثى تلك التي تقدر أن توصل قلبي حد الثمالة، وتوقف فيه زحف الكآبة؟! أنا يا سيدتي أحيا مع طيف ملائكي يتلو عليّ تراتيله كل ليلة لأخلد للنوم..فنظرت إليّ طويلاً وقالت بشفقة: ياللعاشق المجنون.. ستعيش مع طيفك حتى تموت… فرددت : سأموت في طيفي حتى أعيش….
في المقهى…على عتبات الليل أمضي ، أشقُّ بجسدي تناثر الوجوه والكلمات والصور، وأمضي..هل أبحث عن مفردات للتواصل؟؟أم أشتق لغة لايعرفها سواي؟؟ أدندن بها في طرقات أدمنتها قدماي في درب يومي نحو اللامكان؟!قلت لنفسي : ذهب المكان من المكان، فعد لسريرك ، تقمّص شفافية القديسين،، اسرِ بروحك علَّ القمر يضيء زاوية تلجأ إليها،، وزّع رائحة البخور قبل أن تتلو صلواتك..
وقلت: لروحك جموح عصيٌّ على الترويض فلا تحاول اقتناص اللحظة القادمة، ستأتيك طواعية إن اتقنت فنّ الإغراء..
وقلت.. وقلت… لكنني تعثرتُ ، وسقطّتُ ارضاً ، حتى في الحلم لم أستطع بلوغ المكان، فيوقظني حلمي ، أيها الشقي، ها أنت وحدك في المقهى ثانية، وحدك .. مع سجائرك .. ورائحة القهوة.. وتزاحم الكلمات… ونظرات صبية نثرتها حولك .. وانصرفت.. تاركة لك فراغاً بحجم الحلم.. فملأته بحلم اكبر من الفراغ…
(2)الغـــــربة
إلى كوثر عياد
لطالما كنتِ لي في غربتي وطناً…
الغربة أن تُطوّفَ عينيك في اللامرئي بحثاً عن وجهٍ ودودٍ دون جدوى، صراخ صامت في مقهى يضج بالأصوات والصور وعبق السجائر..والغربة أن تُطلق صوتك حصاناً للريح في عتمة الليل عبر الدروب مغنيّاً الحنين؛ لتُحسَّ أنك لم تزل حياًً وثمة إنسان ما يشاطرك طريق آلامك..
تتوقف لتلتقط نَفْسك المبعثرة ، تطلب فنجاني قهوة، تُدهش النادلة وتسأل بالتفاتة عفوية للكرسي الفارغة أمامي لمن الفنجان الآخر؟ فأجيب بذات اللغة : إنه لطيف ملائكي يسكن أعماقي..
الغربة ، مقهى مكتظ باللاأحد، ونادلة تسأل بصمت، وصراخ عميق لتراتيل نسجتُها ذات ليلة على شباك القمر…
ليس في يدي شمس تُطلُّ بين الغيوم،
كبرتقال يافا
.ولا مطلع قصيدة أبذرها كحبيبات قمح في سهل أيلون.
.لكنّي أذوب عشقاً،،
ويعجبني هذا الجنون.
.وستبقى أنفاسك تغفو على وسادتي ..
أحضنها
وأجدل لها ضفائر الحكايا كل مساء
أهدهدها حتى تنام..
الغربة طريق طويل بلا ملامح سوى محطات دموع الوداع واللقاء…
لصٌّ خفيٌّ يسرق أوراق الأجندة ،
ولم أرَ كالغريب إنساناً يغض الطرف عن سارقه بل يحثّه على الإسراع في مهمته، يتنازل عن سني حياته ، ينثرها في صحراء العذاب..
الغربة موتٌ عجّل في المجيء، أحالك في قلوب الأحبة ذكرى، ووجودَك المرئي صورةً معلقةً على حائط أبله لايدرك طقوسً أَحِبتِكَ المسائية إذ يقفون ليلقوا عليك تحية المساء..ويفاجئوك في لحظات اللقاء بأنهم كبروا، فجأة كبروا.. فتيقن آنذاك كم سنوات عمرٍ قد أضعت، لماذا نسيت أنك كنت تكبر؟؟لكنك كبحار أدمنه الرحيلُ تعاود الإبحار في لجة الأمكنة.. وعيناك تبرقان لهم برجاء صادق، لاتكبروا كثيراً قبل أن أعود… أبقوا لي قليلاً من طفولتكم حتى ألقاكم في المرة القادمة، تعضُّ على دمعك ، وتمضي، تحمل حقيبة سفر ملأى بجمر الذكريات والحنين، وأنت تائه عبر رماد المحطات، تسرد على مسامعها مقاطع من عمرٍ يوشك على النهاية، لم تمسك يداك قصةً متكاملة على أرضٍ ثابتة لتتلوها في مساءات الشتاء لأحفادك ذات يوم….إنه غياب الحضور، وحضور الغياب،، إيقاظ الأعماق من سباتها العميق، وزلزلة الأيام المتوارية عن الأنظار هنا وهناك ..
والغربة أوراقٌ مبعثرة أودعتها جسداً متعباً وروحاً حائرة تسافر عبر اللازمان، ذهب الزمان من الزمان، أما لأوبتك من موعدٍ؟؟!!
فتأتي الإجابة متلعثمة … إلى أين ؟؟ تصنعك الحيرة محتالاً يتقن فنّ التقاط التفاصيل الصغيرة من حنايا الذاكرة لتحترق فيها من جديد..
والغربة ألمٌ ، كلما أطلت نسيانه ، أطال نسيانك ، لكنه يداهمك فجأة بكل قوته ليغدو جسدك موطناً له..مقهى أفرغه ساعات الليل المتأخرة من رواده، دفء رائحة القهوة المنبعثة من فنجان ينتصب أمام كرسي فارغة بخشوع ، ونادلة تسألك : ألم يحن وقت الرحيل؟؟!! فتأتي الإجابة متلعثمة ثانية … إلى أين؟!!تهمس النادلة : أنت لاتمل من الحضور والانتظار، فأردُّ : وأنت لاتملين من السؤال!!
تبتسم النادلة وتمضي، فأجمع أوراقي و أنفاسي، أرشف القهوة على عجل، وأمضي ..
ويبرز السؤال تارة أخرى كالمسحور … إلى أين ؟؟؟!!
إلى أنفاسك التي لا تزال تغفو على وسادتي ..
لأحضنها وأجدل لها ضفائر الحكايا
أهدهدها حتى تنام..
(3) الحـــب…… إلى كوثر عيّاد
لكِ حبٌ لايخبو ،،،،
الحب لايشبه إلاّ ذاته..
هو شهوة الوجود إلى الوجود..
عصيّ على الوصف..
شفافٌ يمرّ بين الحروف بمهارة، ويفر من الكلمات لأنه عصيّ على التحنيط..
فنانٌ يرسم لوحاته بألوان الصمت، ويتأجج الصمت فينا، فيرسمنا قصائد للجنون.. إنه جنون الإبداع / إبداع الجنون… والحب…
كأس مترعةٌ باشتعال الألم..
نبيٌ يحيل بعصاه رائحة فنجان القهوة معزوفةً..وحباتِ رمل ركضنا عليها – ذات مساء – أبيات قصيدة عذبة للحنين..
وهو .. رغم اختلاف اشكاله، متحدٌّ في الجوهر.. يُذيبنا فيه… ويذوب فينا..
بحرٌ يُغرينا بأمواجه الرقيقة وهمساته ، ثم يفاجئنا بهياج يهزأ بادعائنا المهارة في العوم..
الحب والغربة ثنائيان من نوع غريب..
تتقاطع بينهما الأشياء..
فالحب يمنح الأشياء لذتها، والغربة تسرق كل معانيها..
والغربة تتفاعل مع الحب فتجعله أكثر توهجاً، وتتأثر فيه إذ تغدو به أكثر إيلاماً..
وأنا ، بين التوهج والإيلام، أرشف ألمي في مقهى كل ما فيه سكون رغم ضجيجه، مملوء بالفراغ رغم اكتظاظه،
مقهى ضاقت رئتاه بدخان سجائري واحتراقي الصامت في حضرة ملاك يتجلّى للقائي عبر فنجان القهوة..
وسؤال تلك النادلة اللحوح.. أما زلت تؤمن بالحب في هذا الزمن الرديء؟؟؟
فأجيبها، أنا أدفع رداءة هذا الزمن بإيماني بطهارة الحب.. أوليس الحب كالإيمان يرتقي وينمو، وقد يتراجع ويخبو..وهويسمو بأتباعه إلى درجات القديسينن يعلّمهم فنّ إثبات الوجود، إذ لايقبل التأتأة في لغته، لكنه يغيّر أبجديتك، فتغدو العيون وملامح الوجه لغةً تعزف أنغام
تهز النادلة رأسها حيرةً وتغدو، ترقب من بعيد طقوسي الوثنية مع ملاك فنجان القهوة، تحاول أن تقرأ تمتمات شفتيّ، ترى هل لامست فيها جرحاً سجّلت الأيام فشلها في شفائه، أم هو إشفاق على جسدٍ مسكونٍ بالهذيان، اختصرته الغربة لإدمان الصمت والسير في درب طويل، وفنجان قهوة يُعلِّم أصابعه سحر المرور في ممرات العمر تلتمس دفئاً تحاصر به صقيع مدينة تقاسمت أيامه وسنيّّ حياته…
تُسري أنت لعالمك غير عابئ… وتتبخر النادلة في زحمة الأصوات..فيما ينطلق من أحد الجالسين دندنة أغنية حزينة..
“ يا ظريف الطول وقف ت اقولك..
رايح ع الغربة وبلادك أحسن لك
خايف ياظريف تروح وتتملك
وتعاشر الغير وتنساني أنا ….
إنها الغربة التي تعشعش فينا ، تتعربش حنايا القلب كدالية شبّت عن الطوق وأخذت تتمدد إلى بيت الجيران، وحب تمكّن من قلبٍ كان يهفو لنسمة حب فاحتضنه إعصاره،
ومقهى أرتاده بحثاً عن الجمع فأزداد وحدة..
ورائحة فنجان القهوة التي تعيد دوماً إلى الذاكرة طيف ملاك لم يغادرها أصلاً ..وأنا … أنا .. التائهة عبر المحطات …..
دبي … نوفمبر- ديسمبر / 2007م
|